حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

144

شاهنامه ( الشاهنامه )

يتصارعان كأنهما أسدان يتصاولان ، أو جبلان يتناطحان . ثم إن سهراب صرع رستم ، وبطحه وجلس على صدره كالأسد إذا افترس فريسة فجثم عليها وافترشها . واستل خنجرا ، وأراد أن يحتز رأسه . فلما رأى ذلك رستم احتال عليه وقال : ليس هذا من شأن المصارعة عندنا ، بل كل من ساجل شجاعا بالمصارعة فليس يبسط يده إلى قتله في الصرعة الأولى ، بل حتى يصرعه ثانيا فحينئذ له ذلك . فاغتر سهراب بكلامه ، وقام عنه ، وخلى سبيله ، وجاء إلى صحراء كانت بين يديه فيها غزلان كثيرة فاشتغل باصطيادها غير مفكر في رستم ولا محتفل به . فركض اليه صاحبه هومان واستخبره عما جرى بينه وبين رستم . فأخبره بأنه صرعه ثم أطلقه لما قاله له : فقال : أيها الشاب الشجاع إنك قد اقتصت هزبرا هصورا ثم خليت سبيله ، فكأنك قد ملك الحياة وسئمت نفسك . وسترى ما يحدث عليك منه . ثم قطع رجاءه منه ، وعاد إلى معسكره مهموما وهو يقول : من استصغر عدوّه ، وإن كان أسيرا ، فسيرى اليسير عسيرا . قال : ولما تخلص رستم من يده قصد ماء جاريا هناك فشرب منه واغتسل وسجد يسأل اللّه تعالى أن ينصره على عدوّه ، وهو لا يعرف ما في ضمن ذلك وما ينساق اليه . مقتل سهراب على يدي رستم ثم عاد إلى مكان المصارعة مصفر الوجه ، وجل القلب . وأقبل سهراب يركض فرسه ، وفي عضده وهَق ، وبيده قوس . فلما رأس رستم ناداه وقال له : أيها المفلت من مخالب الضرغام ! مالك قد أبطأت وتقاعست عن الإقدام ؟ وترجلا وشدا فرسيهما ، وتشمرا ثانيا للمصارعة . وكلما غضبت على المراء السعادة لانت في مساءته الحجارة . فصار سهراب بتلك الأعضاد القوية والمرافق الشديدة كأن القضاء قد قيده ، والشقاء قد صفده . فألقاه رستم على الأرض ، وجلس عليه ، وسل خنجره مسرعا وشق به نحره . فتنفس سهراب وقال : أنا الذي جنيت هذا الشر على نفسي حين أريتك هذا الباب . ثم قال : إن أمي أخبرتني بصفة أبى ، وحدّثتني عن علامته . وما كان خروجي إلا لألقاه وأبصر وجهه . وهأنا قد حضرني الموت قبل أن أراه ، وبسحرته أموت . وأنت فلو صوت حوتا في قعر الماء أو حُلت كوكبا في جوّ السماء لم تفلت من أبى . وليأخذن بثارى منك إذا بلغه مصرعى هذا ، ويوشك أن